شعب نصفه انبياء والنصف الآخر زعماء

البيان نيوز- الرئيس السورى شكري القوتلي يوم التوقيع على الوحدة بين سورية ومصرعام 1958م ، ترك لحكامنا درسا لم يتعلمه منه أحد من الزعماء العرب حتى اليوم عندما قدم مصلحة الأمة على مصلحته الشخصية وفضل ان يذكره التاريخ بأنه أول زعيم بل الوحيد الذى تنازل بملء ارادته عن منصب الرئاسة
تحقيقا للوحدة بين بلدين شقيقين ( لوكانت استمرت تلك الوحدة ما كنا عشنا زمن الهلافيت والفتافيت ) القوتلى حينها قال للرئيس جمال عبد الناصر: "أريد أن أسلمك ثلاثة ملايين ونصف مليون سوري نصفهم أنبياء, والنصف الآخر زعماء" .
اليوم وفى ظل الربيع العربى نتذكر هذا الوصف ونتساءل ..هل ينطبق هذا الوصف البليغ على كل الشعوب العربية ؟ البعض ربما يعترض على هذا التوصيف ، وربما يؤيده ، فالشعب المصرى على سبيل المثال تجاوز عدده ال85 مليون ولا يمكن بأى حال ان نضع نصفه فى خانة الزعماء ولا النصف الآخر فى خانة الأنبياء ، ونتجاهل الأغلبية الساحقة الموضوعة فى خانة ( البؤساء ) الذين كتب عليهم ان يعيشوا خلف أسوار قصور الزعماء عقودا طويلة يرقبون حقوقهم تلتهم على موائد اللئام كغنيمة وفريسة تفترس بأنياب كأنياب الذئاب .
بعد الثورة تحولت خانة البؤساء التى ضاقت بهم وخنقتهم لبيئة خصبة لدعوة راغبى المناصب الذين ادعوا النبوة وصاروا بين ليلة وضحاها أنبياء ورسل يرفعون رايات الاسلام ، ويكفرون ويخونون كل من يخالفهم أو ينتقدهم ، وغالبيتهم يدعون أنهم الأتقياء الذين ثاروا على الظلم والأستبداد ، رغم أننا لم نكن لنسمع لهم صوتا يوم كانت تتعالى فيه صرخات النبلاء فى محبسهم ، ويوم كان الظالم جاثما فوق صدورنا عقودا من الزمن ينهب الأموال ويزور الانتخابات والإرادات ...!!
استحضار وصف القوتلى للشعب السورى بأنه ينقسم مابين انبياء وبين زعماء ليس الهدف منه المسح الإحصائى لعدد الزعماء والأنبياء فى مصر او فى الدول العربية ، فمن المؤكد ان القوتلى كان لوصفه مغزى يفصح به عن العقلية التى كان يفكر بها الشعب السورى ، ولكن الهدف الأساسى من إستحضاره هو تحليل تلك الظاهرة المنتشرة وبقوة فى عالمنا العربى منذ عهد الاستقلال والتخلص من الإحتلال الأجنبى وخضوع شعوبنا للمحتل المحلى ، ألا وهى ظاهرة القداسة والحصانة التى رسخها الجهل والتخلف فى عقول الشعوب المغلوبة على أمرها بفعل الإعلام ومناهج التعليم التى تمجد الزعماء السياسيين حتى وان كانوا شياطين ، وتقدس رجال الدين حتى وان كانوا خطائيين ، ويبررالإتكالية والخضوع والإستسلام للظلم حتى وان كان الظالم جلادا بدعوى الطاعة لاولى الأمر .
فأصبح " ثوب الحصانة المطلقة " يرتديه كل من له منصبا او مكانة مرموقة فى مجتمعه سواء كان قاضيا أو محاميا أو زعيما سياسيا او نائبا أو حتى شرطيا .. الكل يطالب بالحصانة من أجل الحماية ، وكأن الأذى بات سنة من سنن الشعوب ، ونسى المطالبون بالحصانة ان نزاهتهم وعدلهم واحترامهم لانفسهم هى اهم مقومات الحصانة ، فكيف تعطى الحصانة لانسان فاسد او مزور او مرتشى او حتى كاذب مهما علا شأنه ؟
أما ثوب القداسة فيرتديه كل من تحدث باسم الدين وان كان على غيرعلم ، واذا كان ثوب الحصانة له قيمته ومكانته ، فثوب القداسة فى معظم بلداننا العربية والاسلامية له بريقه ومكانة أرفع يسعى رجال الدين للحصول عليها لتكوين طبقة مجتمعية تحظى بتأييد الناس وإلتفافهم ، وتحريكهم إلى الوجهة التى تخدم الدين أو تخدم مصالحهم الشخصية..لافرق ... فبأسم الدين تدارمصالحهم الشخصية ..المهم ان يخضع الكل لهيمنتهم وسيطرتهم دون وعى أو تفكير بالريموت كنترول ( الفتاوى ) ، وهم طبقة خارج أى نقد أو تجريح وكأنهم رسل وانبياء .
ومابين أصحاب الحصانة ، وأصحاب القداسة صراع خفى على إستقطاب أصحاب التعاسة ( البؤساء ) لترجيح كفة احدهما على الآخر ، مع العلم ان كلاهما يتعامل مع تلك الطبقة ( البؤساء ) بإزدراء وكأنها طبقة المنسيين التى لا يتذكرها أحد الا عند الحاجة ، وسهل التأثير عليها وإستقطابها بكيلو لحمة او ارز او زيت ( فهل هناك إحتقار أكثر من هذا ؟!!) ، يقدمون الرشى للبؤساء جهارا نهارا، ويدعون انهم حماة القيم الإسلامية ، ويفتون بحرمة التصويت لغيرهم وكأنهم أوصياء على هذا الشعب ، كلاهما حريص على بقاء تلك الطبقة البائسة على حالها بجهلها وكثافتها وعددها ، لان الخلاص من جهلها معناه ان أول من ستطيح بهما هما اصحاب الحصانة واصحاب القداسة .
ظاهرة الحصانة والقداسة التى تضع اصحابها فى مكانة اعلى من مكانة البشر ، حولت الكتل السياسية والدينية الى كتل متصارعة على السلطة ، يقدمون مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة ، فجعلت اغلبية المصريين يكفرون بالثورة ، ويتقوقعون فى منازلهم يرقبون المشهد عن بعد ، بعكس ما كان عليه الأمر فى بدايات الثورة عندما استرد المصريون إرادتهم وانتعشت قوتهم ، وزاد حماسهم لبناء دولتهم على أساس سليم من النزاهة والشفافية ، فأندفعوا بصورة حضارية لن ننساها يصوتون على مواد الدستور ( المعدلة يوم 19 مارس) ، الكل استبشر خيرا بالثورة وباهدافها ، اما اليوم وفى ظل ما نراه من صراعات على الزعامة والحصانة والقداسة ، وفى ظل حملات النفاق والرياء الاعلامى للمجلس العسكرى ، وفى ظل وصلات التملق والتزلف والتسلق التى يعزفها رؤساء الاحزاب الكرتونية ووكيلهم السيد نائب رئيس الوزراء الدكتور السلمى (صاحب الوثيقة الدستورية التى جعلت من المجلس العسكرى مجلسا كهنوتيا بإمتياز له اليد العليا والطولى بعيدا عن الرقابة والمحاسبة) ، فالشعب المصرى كفر بالثورة وبكل من قام بها ، وضاق ذرعا بالزعماء والأنبياء .

0 ارسل تعليقا

إرسال تعليق
Powered by Blogger | Big News Times Theme by Basnetg Templates

Latest News

>> <<

  • Recent Posts
  • Comments

    Blog Archive

    Followers

    محليات
    You are here : Home »
    حدث خطأ في هذه الأداة

    Popular Posts